روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
50
عرائس البيان في حقائق القرآن
وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [ البقرة : 115 ] . فالساجدون : الشاهدون مشاهدة الغيب بعد كشف الغيب حرقة وهيجانا وشوقا وهيمانا ، أنشد : لو يسمعون كما سمعت كلامها * خرّوا لعزّة ركّعا وسجودا وهذا السجود يقتضي التوبة ، والقربة تقتضي المشاهدة ، والمشاهدة تصير شاهدا متّصفا بصفاتها ، فمن وقع في نور أسماء اللّه وصفاته ، صار متّصفا بوصف الربوبية ، متمكّنا في العبودية ، فيحكم بحكم اللّه بهذه النعوت . وقال : الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ الدّاعون الخلق إلى الحقّ بلسان الظرافة ، ومباشرة المعاملة ، الباذلون أنفسهم في اللّه ، دفع المضرّة عنهم ، وأخرجهم عن معصية اللّه بتأييد اللّه ، وبما كساهم اللّه من أنوار هيبته ، وكسوة سنا عظمته ، فيكونون محتشمين باحتشامه بين الخلائق ، فنهاهم عن متابعة الشهوات بعد أن منعتهم نفوسهم عن جميع المخالفات . قال تعالى : وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ الناهون نفوسهم عن الهواجس ، وشياطينهم عن الوساوس ، وقلوبهم عن طلب الآخرة ، وأرواحهم عن وقوفها في مقام المحبّة ؛ لأن الأزلية بلا نهاية ، والوقوف على منزل واحد حرام على كلّ عاشق ، وهذا مجال يقتضي رتبة أعلى ، وهي حفظ حدود اللّه ، وتابعوا سنّة اللّه ورسوله في شريعته ، وأمروا على أنفسهم وعلى خلقه أمر اللّه ورسوله ، ولا يتجاوزون عن حدود اللّه التي أعلامها معروفة في خطابه ، فالحافظون لحدود اللّه ، القائمون في مقام العبودية بعد كشف صفات الربوبيّة لهم ، فلا يتجاوزون عن حد العبودية ، وإن ذاقوا طعم حلاوة الربوبيّة ، وبعد أن اتّصفوا بصفاته ، وعاينوا جمال ذاته ، لا يدّعون الربوبيّة كفعل سكارى المحبّة ؛ لأنّهم في محلّ التمكين على أسوة مراتب النبي صلى اللّه عليه وسلم مع كماله ، قال : « أنا العبد لا إله إلا اللّه » « 1 » . ثمّ جمع هذه الأوصاف الشريفة ، والمراتب الرفيعة في اسم واحد ، وهو اسم المؤمن ، وبشّرهم بجزيل المقامات في الدنوّ والمداناة ، بقوله : وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ يعني : العارفين الذين هذه الأوصاف صفتهم ، وهم في أعلى الدرجات من التوحيد أي : بشّرهم أنا لهم وهم لي ، حجاب بيني وبينهم أبدا ، وإذا خرجوا من هذه المفاوز الوعرة لا يبقى بيني وبينهم امتحان بعد ذلك ، فإنّ هناك لهيب الوصال بلا علّة الفرقة ، وكشف الجمال بلا حجاب الوحشة ، قال تعالى : فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً [ النحل : 97 ] .
--> ( 1 ) تقدم تخريجه .